سيد محمد طنطاوي

159

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم حكى - سبحانه - ما كان عليه المشركون من غرور واستخفاف بالوعيد فقال : * ( ويَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) * . والمراد بالفتح : الحكم والقضاء والفصل في الخصومة بين المتخاصمين ، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن شعيب - عليه السّلام - : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ . أي : « احكم بيننا وبين قومنا بالحق ، وأنت خير الحاكمين » . أي : ويقول المشركون للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولأصحابه على سبيل الاستهزاء ، واستعجال العقاب : متى هذا الذي تحدثوننا عنه من أن اللَّه - تعالى - سيفصل بيننا وبينكم ، ويجعل لكم النصر ولنا الهزيمة ؟ لقد طال انتظارنا لهذا اليوم الذي يتم فيه الحكم بيننا وبينكم ، فإن كنتم صادقين في قولكم ، فادعوا ربكم أن يعجل بهذا اليوم . وهنا يأمر اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يرد عليهم بما يخرسهم فيقول : * ( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ ) * . أي : قل - أيها الرسول - في الرد على هؤلاء الجاهلين المغرورين : إن يوم الفصل بيننا وبينكم قريب ، وهو آت لا محالة في الوقت الذي يحدده اللَّه - تعالى - ويختاره ، سواء أكان هذا اليوم في الدنيا ، عندما تموتون على الكفر ، أم في الآخرة عندما يحل بكم العذاب ، ولا ينفعكم إيمانكم ، ولا أنتم تمهلون أو تنظرون ، بل سينزل بكم العذاب سريعا وبدون مهلة . وما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - * ( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ) * . أي : فأعرض عن هؤلاء المشركين ، وعن أقوالهم الفاسدة دون أن تلتفت إليها ، وامض في طريقك أنت وأتباعك ، وانتظر النصرة عليهم بفضلنا وإرادتنا ، إنهم - أيضا - منتظرون ما سيئول إليه أمرك ، وسيكون أمرك بخلاف ما يمكرون وما ينتظرون . وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة السجدة ، نسأل اللَّه - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده . وصلَّى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .